شوارع إيران الانتخابية: غداً كلنا قادمون

في أقدم وأطول شوارع الشرق الأوسط، ازدحام لا تعهده ليالي طهران إلا في الموسم الانتخابي. على أرصفة شارع “وليعصر” تقف مجموعات شبابية.  “ضوء أحمر” كان يأذن بتوقف السيارات، لتندفع بشكل سريع صبية تلوح بعلم الجمهورية الإسلامية، تحمل صور الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني، وتُناولُ كل من يصادفه وجهها البسوم صورة لمرشحها.على خط مواز كان شاب آخر يرفع شارة النصر، ويجوب بين السيارات، يمد لكل نافذة صورة للمرشح السيد إبراهيم رئيسي، ويردد: “بانتظاركم يوم الجمعة”.

انتخاب14.jpg

صودف لزيارتي إلى طهران ومشهد أن تكون في أيام العد العكسي لبدء الانتخابات الإيرانية. نهارات المدينتين كما لياليها كل ما فيها ومن فيهم، لا يعكس إلا الأجواء الحماسية للانتخابات. في مدينة مشهد المقدسة كانت صور المرشح السيد إبراهيم رئيسي تُرفع في قلب المدينة وعلى أطرافها لتسرق انتباه كل عابر أو متنقل في المدينة  المقدسة في ضوء النهار، أما ليلاً فلا يُكتفى بالصور.

في طريق عودتي من منطقتي طرقبة وشانديز الواقعتين غرب مشهد باتجاه وسط المدينة المقدسة، عند الساعة الثانية عشر ليلاً،  كانت الشوارع الواسعة للمدينة تزدحم بالسيارات، على كل منها صورة لمرشح، ومن نوافذها تخرج إما أعلام الجمهورية الإسلامية  أو تخرج الأيادي لترفع شارات النصر. في طريقنا، كانت تستوقفنا الأجواء الحماسية، مجموعات متفرقة من الشباب توزعت على هذه الشوارع، ترفع يافطات منها ما يقول إنه سيكون مع روحاني “لولاية ثانية”، وأخرى مقابلة تعتبر أن التغيير الرئاسي هو في صالح الشعب، وكلتاها تحث على المشاركة الكثيفة في التصويت.

يقف الرأيان المتقابلان على رصيف واحد، الكل مندفع ليُعرّف بمرشحه، والكل متحمس لأن يحظى بإشارة تأييد لما يرفعه وينادي به، والكل يتحدث باقبال منقطع النظير عن أهمية التصويت والمشاركة. كنت أنظر إلى اللوحة الإيرانية  المزدهية باختلاف ألوانها، بإنبهار تام وتأسف على أحوال منطقة، جل رؤسائها لا يبدلهم إلا الموت.

انتخاب17

في إحدى ليالي إقامتي في مدينة مشهد، أثناء خروجي من الحرم الرضوي، استوقفتني مجموعة من الشباب تقف مقابل “باب الرضا”، ترفع يافطات لم أفهم منها إلا أنها تتحدث عن الفقر والفقراء، استفهمت ممن كان يرافقني عن المقصود باليافطات، أجاب موضحاً أنها تُرفع تأييداً لأحد المرشحين، وقفت أحاول أن أفهم المقصود بالتحديد، قبل أن يأتي أحد رجال الشرطة ليطلب من شاب في المجموعة إنزال يافطته. دقائق قليلة قبل أن ينزل الشاب يافطته بالفعل  عاودت السؤال مستفسرة عما جرى، لماذا يافطة هذا الشاب تحديداً؟ ففهمت أن اليافطة المرفوعة كانت تحمل تهجماً على أحد المرشحين، وهو ما تمنعه السلطات التي ترعى كل مظاهر الاحتفاء والتحشيد للانتخابات التي ينتظرها الإيرانيون يوم غدٍ الجمعة (19 أيار/مايو).

كنت أنظر في وجوه المتحلقين حول هذه المجموعة، أحاول أن أفهم بعض الأسئلة التي كانت توجه لرافعي اليافطات، وأحيل نظراتي للشبان الذين انبروا للإجابة علني أنجح في معرفة أي نقاشات بإمكانها أن تجذب هذا العدد وأن تحافظ على هدوئها. وفي تلك اللحظات استعدت مشاهد المنظارات التي أجراها المرشحون، كيف كان كل منهم يطرح مشروعه ويسائل منافسه ويحرجه أحياناً دون أن يؤثر كل هذا المشهد على هدوء واستقرار الشارع الإيراني.

في طهران أيضاً، أخفت صور المرشحين التي انتشرت بكثافة بعض معالم أبنية العاصمة. لم تكن الصور لمرشحي الرئاسة فقط، إذ أن البلاد مقبلة على انتخابات بلدية أيضاً. حاولت التعرف إلى ميول أهل العاصمة من خلال الصور المرفوعة، وسعيت لأن أّقدّر من خلالها نتيجة الانتخابات التي يتفق الإيرانيون على أنها ستكون محمومة بالتنافس. يرى الإيرانيون أن المعركة الانتخابية في بلادهم لا يمكن أن تقدير نتائجها مسبقاً، يتفق كل من التقيت بهم أن المنافسة قائمة وشديدة، يتفقون أيضاً  أن الكل مندفع إلى المشاركة حتى من كانوا ينادون في استحقاقات سابقة إلى المقاطعة.

انتخاب25

شاهدت صور المرشحين نهاراً، ولطالما اختطفتني الشعارات التي كانت ترفعها المجموعات المؤيدة لهذا المرشح أو ذاك ليلاً، كنت أتساءل كيف يتقابل الطرفان دون أن يتصادما بمواجهات حتى ولو بكلام عنيف! واستغربت كيف تتسع شوارع إيران لكل هذا الاختلاف، في اقليم يضيق حتى بأهل الرأي الواحد.

حاولت أن أفهم كيف تمكن الإيرانيون من أن يصنعوا نموذجاً فريداً في المنطقة؟ كيف تحافظ إيران على الاندفاع الشعبي للمشاركة في اختيار رئيس في منطقة تتزعمها أنظمة قائمة على قاعدة السمع والطاعة؟ وكيف تحافظ على هامش التنوع الذي يبيح المساءلة والمعارضة وهي تجاور دولاً تعتقل الآلاف وتفصل المئات تحت عناوين “الأمن القومي”.

كيف سيكون المشهد الانتخابي غداّ في إيران؟ تجيب صحيفة اعتماد الإصلاحية في عنوانها الرئيسي اليوم: “غداً الى جانب بعضنا البعض نصنع مستقبل ايران”. وتؤكد صحيفة جوان “المحافظة” في عنوانها الأول:”غدا ستمتلئ الصناديق بأصوات الناس”.  وتقول صحيفة إيران الحكومية: “معا قادمون لتجديد الحماس”… فيما يقدم عنوان “جام جام” التابعة للإذاعة والتلفزيون أصدق تعبير عن لسان حال الشارع الإيراني اليوم: “غدا كلنا قادمون”!

انتخاب25

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s