بغداد… يوم حطّت طائرة سليماني

solaymaniلم يتبقَ لداعش سوى النصف تقريباً من المناطق التي احتلها بعد تاريخ 10 حزيران/يونيو الماضي. وبين التاريخ المذكور و18 أيلول/سبتمبر اليوم الذي سبق أولى ضربات التحالف الدولي، متغيرات سياسية وتطورات ميدانية حفلت بها الساحة العراقية. صورة داعش التي رُسمت بعد سقوط الموصل، “الوحش الذي لا يُكسر”، بدلتها  الانجازات الميدانية، بعيداً عن ضجيج الاعلام الذي لم يكن بريئاً في ما يضخه. تأمين بغداد وحزامها، ولاحقاً سامراء والدجيل وبلد، واستعادة تلعفر وتحرير آمرلي وسليمان بيك، إضافة إلى أجزاء واسعة من محافظة صلاح الدين.. صحح المشهد، وبان أن الوحش ليس إلا “نمراً من ورق” إن وقع النزال.

الثلاثاء 10 حزيران/يونيو 2014، هز خبر سقوط الموصل العراق وجواره. وفيما قال بيان وزارة الدفاع العراقية إن قوات خاصة تتجه إلى الموصل لدحر داعش، أعلن رئيس الحكومة العراقية يومها نوري المالكي “حالة الانذار القصوى في عموم العراق”، وطالب البرلمان بإعلان حالة الطوارئ في البلاد، ليأتي موقف المرجعية الدينية في النجف الأشرف داعماً للجيش العراقي، وداعيا إلى مواجهة الإرهاب..

وخرج المتحدث باسم “داعش” أبومحمد العدناني مزهواً بـ “النصر”، متوجهاً لأنصار التنظيم بالقول: “ازحفوا إلى بغداد”.

قناة “العربية” السعودية تبنت حرب داعش النفسية، ونشرت على موقعها أن المنطقة الواقعة شمال مطار بغداد الدولي شهدت اشتباكات عنيفة، وأن عدداً من القذائف استهدف مبنى المطار الرئيسي، ما اضطر إلى اتخاذ إجراءات امنية مشددة  وإلغاء الرحلات الجوية، وهو ما سارع إلى نفيه المتحدث باسم عمليات بغداد العميد سعد معن.

في 13 حزيران/ يونيو،  أعلنت السلطات العراقية أنها تمكنت من وضع خطة أمنية جديدة لحماية العاصمة بغداد، وهو إعلان جاء متزامناً مع فتوى المرجعية بوجوب حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين. بعدها بيوم خرجت السلطات العراقية لتُعلن: “استعدنا المبادرة وسنبدأ بالزحف ضد داعش”.

كيف تبّدلت الأمور؟ ومن قلب الطاولة على رأس داعش؟

 قاسم سليماني في بغداد

تروي مصادر مطلعة ومواكبة لما شهده الميدان العراقي لموقع قناة المنار ماذا جرى. بعد سقوط الموصل بساعات، حطت في بغداد طائرة خاصة، كان على متنها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني وخبراء عسكريون إيرانيون، إضافة إلى خبراء لبنانيين.

وفي بغداد، كانت قيادات فصائل الحشد الشعبي بانتظار الوفد القادم. ولم تكن هذه القيادات إلا عبارة عن قادة الكتائب التي تشكلت إبان الاحتلال الأميركي بهدف مواجهة الاحتلال، فحظيت بدعم الجمهورية الاسلامية. والكتائب هي: عصائب أهل الحق، وكتائب بدر ، وكتائب حزب الله العراق، إضافة إلى كتائب سيد الشهداء (ع)، وكتائب الإمام علي (ع)، وتيار الرسالة.

لا ينقص القوات العراقية المقدرة أو الإرادة أو حتى المبادرة، تؤكد المصادر. فالكتائب المسلحة، مازالت بعديدها وبأكفأ مقاتليها على جهوزيتها. والجيش العراقي لم يكن منهاراً وفق ما روّج له إعلام الدول التي أرادت تصفية حسابات سياسية مع الحكومة العراقية حيث كانت الفرقة الذهبية وجهاز مكافحة الارهاب على استعدادهما . وفي لحظة الصدمة، كان المسلحون العراقيون في الساحات ينتظرون القرار، الحاجة كانت فقط لمن يلملم هذه الكتائب وينظم أدوارها، كان المطلوب إدارة للمعركة.

أُنشئت معسكرات لاستقبال المتطوعين الذين تهافتوا بالآلاف استجابة لفتوى المرجعية.التحق هؤلاء بالكتائب المسلحة وفرق الجيش، وعملت على تدريب وتأهيل المتطوعين قبل إشراكهم بالمعارك.

وُضعت الخطة وفق الأولويات، تروي المصادر. ووُزعت الكتائب على محاور الاشتباك، وأخذت الانجازات تتحقق تباعاً. فتمكنت القوات العراقية من:

  • تأمين بغداد، وتثبيت حزام العاصمة.
  • تحرير طريق سامراء- بغداد.
  • تطهير سامراء، وقضائي بلد والدجيل.
  • تحرير منطقة الاسحاقي في محافظة صلاح الدين في الوسط.
  • استعادة قضاء تلعفر الاستراتيجي، المحاذي لمحافظة نينوى.
  • طرد داعش من آمرلي – التي كان المالكي يتابعها بشخصه من ميدان المعركة- وسليمان بيك وخاصة دارلي.
  • استعادة معظم محافظة صلاح الدين باستثناء بيجي.

يروي مراسل قناة المنار الزميل محمد النسر ما سمعه من مقاتلين عراقيين عن الجنرال سليماني، تحدث له أحدهم كيف أعطى سليماني أوامره فجأة تحرير الطريق الذي يصل سامراء ببغداد. قادة الفصائل الذين هم على اتصال دائم بقائد فيلق القدس، طلبوا منه التروي والتنبه إلى خطورة الزج بالقوات في المعركة دون تهيئة. أصر سليماني، أعطى قراره وانضم شخصياً إلى الآليات التي انطلقت لتحرير الطريق، وكان له ما أراد.

كان لحضور الجنرال قاسم سليماني أثراً بالغاً في شحذ همم المقاتلين. يتحدث المقاتلون عن حضوره في أهم المعارك جنباً إلى جنب مع المقاتلين، يخاطبهم عبر الأجهزة اللاسلكية، يشحذ هممهم، ويدير تحركاتهم، ويعطي أوامره بالتقدم باتجاه خطوط العدو. وأكثر ما يستحضره هؤلاء الإطمئنان الذي يسكن سليماني، في أشرس المعارك، يبقي قائد فيلق القدس على هدوءه، ويؤدي صلاته في وقتها، وعلى محياه لا تظهر إلا علامات الاطمئنان.

يذكر الزميل نسر، ما نقله شباب شاركهم الجنرال قاسم سليماني محل اقامتهم. ثلاث ساعات فقط تلك التي ينامها قائد فيلق القدس. فور استيقاظه يؤدي صلاة الصبح، ومن ثم تستغرق مطالعته لشريط الأخبار على وسائل الاعلام المرئية – ومنها قناة المنار – بضع دقائق. ويتابع هؤلاء أن اتصالين أجراهما سليماني قبل خروجه من المنزل، الأول برئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، والثاني بالبرزاني في كردستان العراق.

حرب أميركا في العراق: ضد المالكي

وفي الوقت الذي كانت فيه القوات العراقية وقوات الحشد الشعبي تخوض معاركها ضد الإرهاب، وتكبّده الخسائر الفادحة. انشغل الأميركيون بخوض حرب سياسية ضد المالكي، الذي حصد ائتلافه أصوات غالبية الناخبين في الانتخابات الأخيرة.

مطالبة العراق للولايات المتحدة بتوجيه ضربات جوية ضد الارهابيين ، اشترطت مقابلها واشنطن تبديل المالكي. بالمقابل، أكد نوري المالكي أنه لن يقبل بأي تدخل عسكري أميركي في بلاده، ورأى أنه سيكون بوابة لدخول الأميركيين مجدداً إلى العراق، منتقدا تأخر الولايات المتحدة في تسليم 36 طائرة من نوع F16 استحق تسليمها للعراق ، وهو ما أدى –برأيه- إلى ترك القوات البرية العراقية دون اسناد جوي.

لاحقاً أخذت الحرب الأميركية ضد المالكي تتظّهر سياسياً. وفي 18 حزيران/ يونيو، صرح وزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري قائلاً: الحل العسكري وحده ليس كافياً، نعترف بأنه لا بد من حلول سياسية جذرية”.

وبعدها بأيام، زار وزير الخارجية الأميركي جون كيري بغداد وكردستان. وفور عودته إلى واشنطن، خرج الحديث عن حكومة انتقالية، ما دفع بالمالكي للقول: إن الحكومة الجديدة لن تتشكل إلا وفقاً لنتائج الانتخابات… فرد رئيس اقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، حليف واشنطن، إن على المالكي أن يتنحى.

عُيّن فؤاد معصوم رئيساً للعراق، وفي 11 آب/ أغسطس الماضي كلّف حيدر العبادي تشكيل حكومة جديدة، فسارعت واشنطن لتأييد الاثنين.

ثلاثة أشهر فصلت بين احتلال الموصل وتوجيه أولى ضربات التحالف الدولي ضد داعش في العراق في 19 أيلول/سبتمبر الماضي، استفاد الأميركيون مما حققته داعش لتصفية حساباتهم السياسية مع المالكي، ولم يتدخل الأميركيون عسكرياً إلا عندما باتت داعش على أعتاب كردستان، ما شكل تهديداً للاستثمارات الغربية في الاقليم.

توالت انجازات الجيش العراقي وفصائله المقاومة للارهاب… ولا تزال، في حين أن ضربات التحالف التي انطلقت قبل شهرين لم تتمكن حتى اليوم من تحرير قرية واحدة. مازال العراقيون يتحدثون عن بطولاتهم في جرف النصر (جرف الصخر سابقاً) التي قلبت المعادلة، وانتصاراتهم وصلت إلى ديالى بما فيها جلولاء، وسد العظيم، وحتى بيجي.

في كل معاركهم لم يحتَج المقاتلون العراقيون إلا لمساندة في إدارة المعركة كان أحد أعمدتها الجنرال قاسم سليماني. صور سليماني الملتقطة من ميادين القتال العراقية، دفعت بالرئيس الأميركي للإقرار أمام ضيف عراقي: “عدوي هذا.. كم أتمنى لو أن بين ضباطي نظيراً له”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s