“ياسر” السوري والتجنيس السياسي

إسراء الفاس – موقع قناة المنار

لا أعلم إن كان “ياسر” حيّاً، أم أنه قُتل في معارك خيضت في بلده الأم سورية، أو اختار أن يكون ناشطاً في معركة سياسية تدور في مكان آخر.

“ياسر” شاب من قرى شرق سورية تعرفت إليه في العام 2004 عبر الانترنت. كان يومها في منتصف العشرينيات، فيما لم أكن قد بلغت العشرين بعد. أحاديثه الممتدة لساعات كانت في غالبيتها محاججات دينية، لتنتقل دائماً إلى السياسة، قبل أن تُقفل على “لا اتفاق”.

صاحب البريد الالكتروني “Kingofthecars”(ملك السيارات) مُجنّس بحريني، من عائلة مكونة من أب وأم وخمسة أولاد، أكبرهم كان متعصب مذهبيا وأوسطهم “ياسر” الذي كان كثير المدح في النظام البحريني القائم، خلاف باقي البحرينيين ممن كنت على تواصل معهم.

حصلت العائلة السورية على الجنسية البحرينية بعد أشهر على تقديم الطلب، نظراً لأوضاع اقتصادية متردية عانوا منها في بلدهم الأم. أتت الجنسية البحرينية على طبق من ذهب، وجرَّت معها المسكن، والتعليم المجاني، والمنح الدراسية في أهم الجامعات البريطانية، ووظائف لأحد أفراد العائلة في السلك الأمني، وراتباً يكفي لتأمين معيشة بمستوى راقٍ.

العائلة المقيمة في مدينة حمد، كما كثر من المجنسين العرب والأجانب من أردنيين ويمنيين وباكستانيين وهنود، كانت تتردد بين فترة وأخرى إلى سورية. استفادت من فتح أبواب التجنيس أمام العرب والأجانب على أساس مذهبي. كان معيار الحصول على الجنسية البحرينية هو الانتماء المذهبي وعلى هذا كانت تُقاس الأمور كما العلاقات بالنسبة إلى “ياسر”.

الشاب السوري استفزه اسم بريدي الالكتروني “hizbollah_girl” الذي كان يحمل اشارة واضحة لانتمائي المذهبي، حسب رؤيته. لم يكن يراني الا فتاة “رافضية” مشاكسة. كانت الاحاديث تمتد لساعات. النبي محمد«ص» وأهل بيته والخلفاء الراشدون، كما القرآن الكريم، والتبرك بآولياء الله الصالحين وزيارة مراقد المعصومين والصحابة، اضافة الى مفهوم العصمة وحدود الشرك بالله… جملة مواضيع كنا نناقشها بلا كلل، ودون جدوى. اعترف ان تساؤلاته واشكالايته دفعتني لقراءة كتب مهجورة في مكتبة الوالد والتي تناولت هذه المواضيع تحديداً، كتب للسيد عبدالحسين شرف الدين والدكتور محمد السماوي التيجاني وللسيد محمد الشيرازي وللمفكر الايراني علي شريعتي.

أحاديث الساعات المطولة كانت لا تصل بنا الى اتفاق. كان “ياسر” يريد ان يعزز الفكرة التي كونها عن المسلمين الشيعة، وعندما كانت اجابتي معاكسة لما هو مرسوم في ذهنه كنت أُتهم بـ”التقية”، التي تعرفت اليها من خلاله.

كنت أصارحه ان مشكلتنا كما كُثر هي انعدام الثقة وبالتالي القلق من الآخر وهو ما يستفيد منه كل مصطاد بالماد العكر. الاتهام بالتقية كان مبرراً لالصاق الاساطير بحق المسلمين الشيعة، عند ياسر وغيره.

الحدة في التعاطي بين مسلمين مختلفين مذهبياً شكلت لي صدمة، خصوصاً اني ترعرت في بيئة اسلامية مختلطة، يتعايش فيها المسلمون من مذاهب مختلفة ويتصاهرون ويكاد لا يسهل التمييز بينهم اذا ما اجتمعوا في المناسبات الاجتماعية المختلفة. بيئة البحرين لم تكن مختلفة ،على حد تصوري.

يوماً ما صارحني “ياسر” انه سيتوجه إلى المملكة المتحدة حيث سيتمكن هناك من التخصص في احدى الجامعات البريطانية بمنحة رسمية، وان تخصصه سيسمح له بالمباشرة في احدى الوظائف الرسمية لدى عودته الى البحرين.تحدث عن تقديمات الحكومة السخية. اطلعته على معاناة بحرينيين متأصلين في هذا البلد، عن البطالة ومشكلة الحصول على مسكن، وعن تمييز يعاني منه بحرينيون بشكل يحول دون حصولهم على وظائف معينة. كان يتلقى الاخبار بشكل طبيعي، مبرراً أن الحقوق تمنحها الحكومة لـ “الموالين للبحرين”، قاصداً بذلك الموالين للحكومة وللملك، وبشكل اكثر وضوحا الموالين لـ “آل خليفة” العائلة الحاكمة.

ابن بلاد الشام كان يدعو “البحارنة”* الى الخروج من بلاد أجدادهم، فكان يتهم ما نسبته على أقل التقديرات في حينها نحو ٧٠٪ من البحرينيين بالولاء الخارجي. “البحارنة ينحدرون من أصول عجمية قدمت من الأراضي الايرانية واستقرت في البحرين”، ما يقتنع به الشاب كان جزءاً من عملية تزوير تاريخ البحرين الممنهج. فالبحارنة –كما يوثّق التاريخ- عرب أقحاح، يسبق وجودهم في البحرين وجود حكامها، ينحدرون من قبائل عبدالقيس التي تُنسب إلى بني الربيعة العدنانية.

“العرب أولى بالبحرين من العجم” هذا ما كان يردده الشاب السوري عن أبناء بلد قاسمهم فيه أرزاقهم. وفي اجابته على سؤال حول المساواة التي كرسها الاسلام بين العربي والأعجمي، وعن قبوله بمنح الجنسية البحرينية لهنود وباكستانيين وبلوش أجانب كان تكفير المسلمين من غير مذهبه أسهل الاجابات. علماً أن البحارنة مسلمون بلا “فتح” ينسبه السوري إلى قبائل “آل خليفة” التي غزت البحرين عام 1783، ويُستشهد على ذلك بالحديث النبوي الشريف “ليأتين ركبٌ من قبل المشرق لم يُكرَهوا على الإسلام”.

اتهامات النظام البحرين بمحاولات احداث تغيير ديمغرافي عبر سياسات التجنيس التي تؤمن قاعدة شعبية له يستند عليها، يرفضها السوري الحامل لجنسية بحرينية نالها بقرار حكومي. فتبرير توزيع الجنسية البحرينية على مئات الآلاف من العرب والأجانب حاضر دوماً:  “البحارنة آخذون في التكاثر، ونسب الانجاب عندهم مرتفعة”!

“ياسر” السوري هو حالة تتكاثر في البحرين. يكرر أمثاله من المجنسين الروايات نفسها وهي روايات السلطة المزوِّرة للتاريخ، وشعور ولائهم للحكومة البحرينية يعززها رمي سكان البلد بالعمالة. ومعيار التجنيس على أساس مذهبي، بات في منظور هؤلاء معياراً للحكم على الآخر أياً كان الآخر. لا تعبر أحاديث “ياسر” عن المجنسين وحدهم، بقدر ما تلخص صورة يريد أن يكرسها حكام البحرين في بلادهم.

* البحارنة: اسم يُطلق على البحرينيين الأصيلين

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s